صديق الحسيني القنوجي البخاري
187
فتح البيان في مقاصد القرآن
عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن المعارضة والإتيان بمثله فكان ذلك معجزا ، وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقا لا جرم قال اللّه تعالى ذلك . أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ جملة حالية أي متلبسا بعلمه الذي لا يعلمه غيره من كونك أهل لما اصطفاك اللّه له من النبوة وأنزله عليك من القرآن واستعدادك لاقتباس الأنوار القدسية ، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم ، وقيل العلم هنا بمعنى المعلوم أي بمعلومه مما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم . وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بأن اللّه أنزله عليك ويشهدون بتصديقك ، وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن اللّه تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة به وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها وإن لم يشهد معه أحد . وفيه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن شهادة أهل الكتاب له ، وشهادة اللّه سبحانه هي ما نصبه من المعجزات الدالة على صحة النبوة فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بصدق ما أخبر به من هذا أو غيره ، عن ابن عباس قال : دخل جماعة من اليهود على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لهم : إنّي واللّه أعلم أنكم تعلمون أني رسول اللّه ، قالوا : ما نعلم ذلك فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه وبكل ما يجب الإيمان به أو بهذا الأمر الخاص ، وهو ما في هذا المقام وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام بإنكارهم نبوة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وبقولهم ما نجد صفته في كتابنا وإنما النبوة في ولد هارون وداود ، وبقولهم إن شرع موسى لا ينسخ . قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الحق والصواب بما فعلوا لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق ، فجمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقطاع منه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 168 إلى 170 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بجحدهم وَظَلَمُوا غيرهم بصدهم عن السبيل أو ظلموا محمدا بكتمانهم نبوته أو ظلموا أنفسهم بكفرهم ، ويجوز الحمل على جميع هذه
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 2 / 211 .